أعمدة رأي

ما وراء الزجاج:لماذا لن ينجو الجنيه إلا بتحرير الذهب

بقلم: هجو أحمد محمد

 

 

الذهب ليس قطاعاً من قطاعات الاقتصاد فحسب بل هو الاحتياطي النقدي الحقيقي للسودان. وكل المحاولات الرامية لوقف تآكل الجنيه ستظل مجرد مسكنات، لأننا نعالج العَرَض ونترك المرض. دوماً نسأل: كيف نوقف هبوط العملة؟ بينما السؤال الصحيح الذي يجب أن نطرحه هو: أين ذهب الدولار الذي كان يفترض أن يحميها؟

الجواب تحت أقدامنا.

السودان ينتج أكثر من (100 طن) ذهب سنوياً، أي ما يزيد عن (6 مليارات دولار) بسعر اليوم. هذا الرقم وحده كفيل بتغطية فاتورة (القمح والدواء والوقود) وبناء احتياطي نقدي يثبّت (سعر الصرف) لسنوات. لكن المفارقة القاتلة أن أقل من (20%) من هذا الإنتاج يدخل رسمياً إلى خزينة الدولة، بينما (80%) منه يُهرّب ليمول استقرار عملات دول أخرى، ويترك جنيهنا ينهار من نقص ذات الدولار الذي هربناه بأيدينا.

أزمتنا ليست فقر موارد، بل نزيف الموارد وهناك عنق زجاجة واحد يخنق الجنيه.

نظرية القيود.. لماذا تفشل كل سياسات بنك السودان؟

تقول نظرية القيود إن إنتاجية أي نظام لا تحددها أسرع حلقة فيه، بل أبطأ وأضعف حلقة. يمكنك أن تغيّر المحافظ وتطبع عملة جديدة وتشدد الرقابة، لكن إذا بقيت الحلقة الأضعف على حالها سينهار النظام كله.

الحلقة الأضعف ليست السياسة النقدية بل هي (منظومة الذهب) المتشظية هناك (سبع جهات حكومية) لكل منها ولايتها ورسومها وإجراءاتها وهذا التعدد خلق حافزاً لا يقاوم فالمهرّب يدفع (نقداً وفوراً) وبسعر أعلى، والدولة تدفع (آجلاً وبسعر أقل) عبر متاهة (بيروقراطية). النتيجة أن المنتج والتاجر يختاران (التهريب)، ليس حباً فيه، بل هروباً من بيروقراطية الدولة.

نحن لا نحتاج إلى سياسة نقدية جديدة، نحن نحتاج إلى توسيع عنق الزجاجة الذي يمنع الدولار الذهبي من الوصول إلى بنك السودان.

الحل ليس خطة خمسية أو عشرية بل قرار سيادي واحد بثلاث ضربات متزامنة:

أولاً: توحيد سلطة القرار

إنشاء (هيئة قومية عليا للذهب) ككيان سيادي مستقل يتبع رئاسة مجلس الوزراء أو حتى مجلس السيادة، تسحب إليه كل الصلاحيات من كل الجهات. لأنه لا يمكن أن نحارب (السوق الأسود) ونحن أنفسنا (سبعة أسواق). نحن نحتاج إلى صوت واحد ومرجعية واحدة.

ثانياً: توحيد الوعاء المالي

كل جرام ذهب يساوي دولاراً في الاحتياطي.

مع إنشاء صندوق قومي للذهب لدى بنك السودان، كل جرام يتم شراؤه يورّد فوراً كاحتياطي نقدي حقيقي، ويوزع بشفافية قاطعة: (60%) لدعم احتياطي بنك السودان وتثبيت سعر الصرف مباشرة، و(20%) لتنمية (ولايات الذهب)، و(10%) لتمويل التعدين الأهلي، و(10%) لتشغيل الهيئة.

ثالثاً: توحيد واجهة التعامل.. الشباك الموحد

المهرب ينتصر علينا بميزة واحدة هي (الكاش الفوري) يجب أن نهزمه بنفس سلاحه،د وذلك بإنشاء (شباك موحد) في كل موقع تعدين، يستلم الذهب بالخام ويسدد ثمنه نقداً وفوراً بسعر البورصة العالمية، مع شهادة منشأ رسمية. فالسرعة والشفافية والربحية هي أدواتنا الحقيقية لكسر جاذبية التهريب.

رابعاً: العدالة الجغرافية.. ضمانة الجنيه

لن ينجح أي إصلاح دون أن يطمئن مواطن مناطق الإنتاج أن ثمن التلوث والتضحية سيعود إليه. القاعدة بسيطة: يجب أن تكون لكل خمسة جنيهات تدخل خزينة الدولة لحماية الجنيه، يعود جنيه واحد لأرض الذهب وإنسان الذهب.

لذلك يمكن تخصيص الـ (20%) لصندوق تنمية وإعمار ولايات الذهب، توزع بنسب: (12%) للتنمية المباشرة (مدارس، مستشفيات، مياه)، و(5%) للبيئة والصحة لمعالجة التلوث بالزئبق والسيانيد، و(3%) للاستثمار البشري، مع مكافأة أداء (2%) إضافية للولاية التي ترفع نسبة التسليم الرسمي.

خامساً: تجفيف المنابع الخارجية

إصلاح الداخل لا يكفي دون قطع الأيدي الخارجية. المواجهة هي على ثلاث جبهات: اقتصادياً بجعل التعامل مع الدولة أكثر ربحية من المهرّب، وأمنياً بإنشاء وحدة متخصصة لمكافحة غسيل أموال الذهب تستهدف رؤوس الشبكات ومصادرة أموالها، ودبلوماسياً بإبرام اتفاقيات مع الدول تمنع استيراد أي ذهب سوداني دون شهادة منشأ معتمدة من الهيئة القومية.

ماذا فعلت غانا؟

غانا كانت مثلنا: أكثر من (60%) من ذهبها مهرب وعملتها منهارة. أنشأت هيئة موحدة وبدأت الشراء النقدي الفوري من المناجم، فقفزت إيراداتها من (500 مليون) دولار إلى (5 مليارات) في خمس سنوات.

ما يناسب السودان هو نموذج هجين: نبدأ بخطوة غانا الآن لكسر قيد السيولة وإنقاذ الجنيه، ثم نتحول تدريجياً للنموذج الذي يمنع تصدير الخام وتصفيته محلياً لزيادة قيمته بنسبة (22%).

إخراج الذهب من باطن الأرض مسألة تقنية، أما إيصاله إلى خزينة بنك السودان فهو قرار سياسي لإنقاذ العملة. ولن يستقر الجنيه بقرار من بنك السودان، بل بقرار من (المنجم). وتحرير الذهب والإحاطة الشاملة بالمعدن الأصفر هو تحرير للجنيه.

السبت 15 سبتمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى